أحمد بن علي القلقشندي
96
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
* ( إِلَيْه راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 1 ) * ( ) * . وقال جلّ قائلا : * ( وبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ والصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ ) * ( 2 ) . ولم تزل الأولياء من القدماء يحضّون على الصبر وهم لا يرجون عليه ثوابا ، وينهون عن الجزع ولا يخافون عليه عقابا . ومن عرف الأيّام وتداولها ، والأحوال وتحوّلها ، وسّع صدره للنوائب ، وصبر على تجرّع المصائب ، ومن ( 3 ) اغترّ بطول السّلامة ، وطمع في الاستمرار والإقامة . رقعة : وقد اتصل بالمملوك خبر الفجيعة بفلان ، فأفيضت المدامع ، وتضعضعت الأضالع ، وزفرت الأنفاس ، وهمدت الحواسّ ، وأذاب الطرف سواده على الوجنات بدلا من الأنقاس ، وخلعت القلوب سويداءها على الأجساد ، عوضا عن جلابيب الحداد ، وعضّت الأنامل جزعا ، ومزّقت الثياب تفجّعا وتوجّعا ، وكل هذا وإنّ فارق حميد التّماسك ، ووافق ذميم التّهالك ، غير موف بحقّ ذلك الدارج الذي بلغ المعالي وهو في مهده ، وشدّ دعائم الفضل ولم يبلغ أوان رشده ، وعلم سيدي أنّ غاية الجازع وإن صدعت المصيبة قلبه ، وأطاشت الفجيعة لبّه ، الصبر والسّلو ، وأنّ نهاية القلق وإن هجمت عليه الحرقة بما لا تتوفّر عليه الأضالع ، ولا تتماسك معه المدامع ، القرار والهدوّ ، واللَّه تعالى لا يريه بعد هذا الرّزء رزءا بفنائه ، وينقل ذلك عنه إلى حاسديه وأعدائه . رقعة : من علم أنّ الأقضية لا تخطئ سهامها ، والأقدار لا تردّ أحكامها ، سلَّم الأمر في السّرّاء والضّرّاء ، ورضي بما مناه في البلاء والابتلاء ، ولا سيّما
--> ( 1 ) سورة البقرة 2 ، الآيتان 156 ، 157 . ( 2 ) سورة الحج 22 ، الآيتان 34 ، 35 . والمخبتون هم المطيعون المتواضعون . انظر تفسير الجلالين . ( 3 ) لم يذكر جوابا للشرط ، ويمكن أخذه من المقام أي : « فقد حاول محالا وضلّ في سعيه ضلالا » أو نحو ذلك . حاشية الطبعة الأميرية .